العلامة المجلسي
26
بحار الأنوار
ولد يموت فيحزن لموته ، ولا له شئ يذهب فيحزن لذهابه ، ولا يعرفه إنسان يشغله عن الله طرفة عين ، ولا له فضل طعام ليسأل عنه ، ولا له ثوب لين . يا أحمد وجوه الزاهدين مصفرة من تعب الليل وصوم النهار ، وألسنتهم كلال إلا من ذكر الله تعالى ، قلوبهم في صدورهم مطعونة من كثرة ما يخالفون أهواءهم قد ضمروا أنفسهم من كثرة صمتهم ( 1 ) قد أعطوا المجهود من أنفسهم لا من خوف نار ولا من شوق جنة ، ولكن ينظرون في ملكوت السماوات والأرض فيعلمون أن الله سبحانه وتعالى أهل للعبادة كأنما ينظرون إلى من فوقها ، قال : يا رب هل تعطي لاحد من أمتي هذا ، قال : يا أحمد هذه درجة الأنبياء والصديقين من أمتك وأمة غيرك وأقوام من الشهداء . قال : يا رب أي الزهاد أكثر ؟ زهاد أمتي أم زهاد بني إسرائيل ؟ قال : إن زهاد بني إسرائيل في زهاد أمتك كشعرة سوداء في بقرة بيضاء ، فقال : يا رب كيف يكون ذلك وعدد بني إسرائيل أكثر من أمتي ؟ قال : لأنهم شكوا بعد اليقين ، وجحدوا بعد الاقرار . قال رسول الله صلى الله عليه وآله : فحمدت الله للزاهدين كثيرا وشكرته ودعوت لهم فقلت : اللهم احفظهم وارحمهم واحفظ عليهم دينهم الذي ارتضيت لهم ، اللهم ارزقهم إيمان المؤمنين الذي ليس بعده شك وزيغ ، وورعا ليس بعده رغبة ، وخوفا ليس بعده غفلة ، وعلما ليس بعده جهل ، وعقلا ليس بعده حمق وقربا ليس بعده بعد ، وخشوعا ليس بعده قساوة ، وذكرا ليس بعده نسيان وكرما ليس بعده هوان ، وصبرا ليس بعده ضجر ، وحلما ليس بعده عجلة ، واملا قلوبهم حياء منك حتى يستحيوا منك كل وقت ، وتبصرهم بآفات الدنيا وآفات أنفسهم ووساوس الشيطان ، فإنك تعلم ما في نفسي وأنت علام الغيوب . يا أحمد عليك بالورع فان الورع رأس الدين ووسط الدين وآخر الدين إن الورع يقرب العبد إلى الله تعالى . يا أحمد إن الورع كالشنوف ( 2 ) بين الحلي والخبز بين الطعام ، إن الورع
--> ( 1 ) ضمر : هزل ودق وقل لحمه . ( 2 ) جمع الشنف : ما علق في الاذن أو أعلاها من الحلى .